أحمد بن محمود السيواسي
32
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 108 ] وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 108 ) ( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ ) أي يعبدون آلهة « 1 » ( مِنْ دُونِ اللَّهِ ) والمراد الأوثان ( فَيَسُبُّوا ) أي فيسب المشركون ( اللَّهِ ) نصب الفعل بجواب النهي عن السبب ( عَدْواً ) مفعول له أو نصب على الحال ، أي ظلما ( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) أي بجهل ، وهو حال مؤكدة ، نزل حين كان أصحاب النبي عليه السّلام يذكرون آلهتهم بسوء ، فقال المشركون لينتهين أصحابك عن سب آلهتنا أو لنسبن ربك « 2 » ، وفيه دليل على أن الرجل إذا أمر بمعروف فيقع المأمور به فيما هو شر منه ينبغي أن يترك الآمر به ، وكذلك نهى عن شيء يكون النهي عنه سببا لركوب معصية هي أعظم من المنهي عنه ينبغي أن يترك عنه كالنهي عن المثلث حيث يكون سببا لركوب شرب الخمر ( كَذلِكَ ) أي مثل ذلك التزيين الذي زيناه للمشركين عبادة الأصنام ( زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ ) من الكفار ( عَمَلَهُمْ ) من الشر ( ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) [ 108 ] أي يخبرهم إخبار توبيخ وعتاب بأعمالهم « 3 » ويجازيهم عليها . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 109 إلى 110 ] وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ( 109 ) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 110 ) قوله ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ ) نزل حين طلب المشركون من النبي عليه السّلام أن ينزل الملائكة من السماء أو يحيي الموتى آية لهم ليؤمنوا ، فحلفوا على ذلك ، وطلب المؤمنون وقوع ذلك كله « 4 » ، فقال تعالى إنهم حلفوا باللّه أغلظ أيمانهم ، وكانوا يسمون اليمين باللّه جهد اليمين ، فأكد ما يقسم به باللامين والنون في قوله ( لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ ) يا محمد ( إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ) لا عندي ، وهو يقدر على المجيء بها لحكمة لا أنا ، ثم قال جوابا للمؤمنين ( وَما يُشْعِرُكُمْ ) مبتدأ وخبر ، و « ما » كلمة الاستفهام ، أي ما يدرككم أيها المؤمنون إيمانهم بتقدير المفعول الثاني ، ثم ابتدأ بكسر « إن » في قوله ( أَنَّها ) أي إن الآية المقترحة ( إِذا جاءَتْ ) الكفار ( لا يُؤْمِنُونَ ) [ 109 ] بالياء ، والضمير فيه ل « الكفار » ، أي لا يصدقون بها لسبق علمي بعدم إيمانهم ، وقرئ بفتح « أن » « 5 » بمعنى لعل نقلا عن الخليل « 6 » ، فالمفعول الثاني أيضا محذوف ، ويجوز أن يجعل « أن » ومعمولها في محل النصب مفعولا ثانيا ل « يُشْعِرُكُمْ » ، و « لا » زائدة ، أي وما يدرككم أنها إذا جاءتهم يؤمنون ، وقرئ « تؤمنون » بالتاء « 7 » أيضا خطابا « 8 » للكفار في الموضعين ، أي ما يشعركم يا أهل مكة أنها إذا جاءتكم تؤمنون « 9 » بزيادة « لا » ، المعنى : أنهم إذا جاءتهم الآية المقترحة لا يؤمنون بها ، يدل عليه قوله ( وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ ) أي ونخبل « 10 » قلوبهم بالخذلان عن الإيمان ( وَأَبْصارَهُمْ ) عن رؤية طريق الهداية ، فلا يؤمنون عند نزول الآيات المقترحة ( كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ) الكاف صفة مصدر محذوف ، أي تقليبا مثل عدم إيمانهم بمجيء آية من اللّه من الآيات السابقة كانشقاق القمر ( أَوَّلَ مَرَّةٍ ) ظرف زمان ، فختم اللّه على قلوبهم فيه ، فثبتوا على كفرهم ( وَنَذَرُهُمْ ) أي ونتركهم ( فِي طُغْيانِهِمْ ) أي في ضلالتهم ( يَعْمَهُونَ ) [ 110 ] أي يترددون متحيرين فيه ، لا يبصرون طريق الهدى ، وقيل : « كما
--> ( 1 ) آلهة ، ب م : آلهتهم ، س . ( 2 ) عن ابن عباس ، انظر الواحدي ، 187 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 506 . ( 3 ) بأعمالهم ، ب م : في أعمالهم ، س . ( 4 ) لعل المفسر اختصره من السمرقندي ، 1 / 506 ؛ والبغوي ، 2 / 403 . ( 5 ) « أنها » : قرأ المكي والبصريان وخلف عن نفسه وشعبة بخلف عنه بكسر الهمزة ، والباقون بفتحها وهو الوجه الثاني لشعبة . البدور الزاهرة ، 108 . ( 6 ) انظر البغوي ، 2 / 404 ؛ والكشاف ، 2 / 83 ؛ والبيضاوي ، 1 / 316 . ( 7 ) « لا يؤمنون » : قرأ ابن عامر وحمزة بتاء الخطاب ، والباقون بياء الغيبة . البدور الزاهرة ، 108 . ( 8 ) خطابا ، س م : خطاب ، ب . ( 9 ) تؤمنون س : يؤمنون ، ب م . ( 10 ) نخبل ، س : نخيل ، ب ، نحيل ، م .